مقالات
محمد بابكر يكتب: الجنجويد وبنو إسرائيل إعادة إنتاج الهوية في السودان

في قلب السودان أرض الحضارة الكوشية و أرض الانبياء يتكشف صراع تتداخل فيه الهوية والدين والعرق.
من الخزر إلى الفلاشا ومن الكوشيين إلى الجنجويد رحلة بني إسرائيل تكشف عن جذور تاريخية تعيد تشكيل حاضرنا.
اقرأ هذا المقال واكتشف كيف يتجاوز الصراع حدود السياسة ليصل إلى عمق التاريخ والعقيدة.
في ظل التحولات الجيوسياسية المعقدة التي يشهدها العالم تبرز قضية الهوية كأحد أكثر المواضيع حساسية وإثارة للجدل.
ومن بين هذه القضايا يطفو على السطح سؤال جوهري هل الانتماء إلى الديانة اليهودية يعني بالضرورة الانتماء إلى عرق بني إسرائيل؟
هذا التساؤل ليس مجرد نقاش نظري بل يمتد بجذوره ليلامس صراعات معاصرة ويجد له صدى عميقا في الأحداث الدامية التي يشهدها السودان اليوم.
اليهودية هي ديانة سماوية أنزلت على النبي موسى عليه السلام الذي ارسل بها إلى بني إسرائيل.
و بني اسرائيل هم مجموعة عرقية محددة من الناس لها صفاتها الجنينية الخاصة بها و سكنوا حيث كان يسكن سيدنا موسى في ارض السودان.
لذا فإن اعتبار كل من يعتنق اليهودية منتميا تلقائيا إلى عرق بني إسرائيل هو خلط واضح بين الانتماء الديني والأصل العرقي.
هذا المفهوم يتجلى بوضوح عند النظر إلى (يهود الخزر) وهم شعب من أصول تركية اعتنقت نخبته الحاكمة الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي لذا صاروا يهودا بسبب اعتناق هذه الديانة وهم يشكلون وفقا لكثير من المؤرخين الغالبية العظمى من اليهود المتواجدين في فلسطين المحتلة اليوم مما يطرح تحديا كبيرا أمام سردية (الأحقية العرقية) في الأرض.
في محاولة لسد هذه الفجوة العرقية بين بنو إسرائيل المجموعة العرقية التي هي في الأصل اول من اعتنق الديانة اليهودية و بين اليهود غير المنتمين لبني إسرائيل من يهود الخزر و خلافه برز الاهتمام بمجموعة (يهود الفلاشا) في إثيوبيا الذين يعتقد أنهم من سلالات بني إسرائيل القدماء الذين انزلت عليهم التوراة و المذكورين في القرآن الكريم .
وقد تم تهجيرهم إلى إسرائيل في عملية سرية ضخمة عرفت بـ (عملية موسى) إبان عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وبوساطة أمريكية.
الهدف الظاهري كان إنسانيا لكن الهدف الخفي كما يرى الكثيرون كان استراتيجيا باستخدام الفلاشا وهم عرق صاف من بني إسرائيل في عملية (تهجين) ديموغرافي ليهود أوروبا وآسيا.
كان المأمول أن يمنح هذا التهجين ولو بنسبة ضئيلة شرعية الانتماء العرقي التي يفتقر اليه يهود فلسطين أي كما يقال باللهجة السودانية استخدموهم (كتيراب) لينقلوا شيء من جينات عرق بني إسرائيل إلى يهود فلسطين من الخزر وغيرهم فيصبح بذلك كل اليهود منتمين إلى بني إسرائيل.
لكن يبدو أن صعوبة هذا المشروع دفعت إلى اتخاذ خطوة سياسية أكثر جرأة و اعتبار كل من ينتمي للديانة اليهودية منتميا جينيا إلى بني إسرائيل وهو قرار يحل إشكالية الأصل العرقي بقرار سياسي.
تكتسب هذه القراءة التاريخية بعدا أعمق عند ربطها بالجغرافيا والتاريخ السوداني. فالسودان أرض الحضارة الكوشية العريقة لم يكن مجرد مسرح للأحداث الدينية بل كان موطنا لتعايش معقد بين شعوب مختلفة.
فقد عاش بنو إسرائيل كأقلية وسط الكوشيين لكن أفعالهم التي وصفت بالشنيعة في النصوص التاريخية والدينية أدت إلى طردهم من هذه الأرض المباركة. هذا الطرد شكّل جزءا من السردية التي تفسر تشتتهم في أصقاع الأرض ويفسر في الوقت ذاته محاولاتهم المستمرة للعودة إليها عبر التاريخ.
بل إن القرآن الكريم نفسه يقدم إشارات حول السمات الجسدية لبني إسرائيل. فالمعجزة الإلهية التي مُنحت للنبي موسى ﴿وَاضمُم يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخرُج بَيضاءَ مِن غَيرِ سوءٍ آيَةً أُخرى﴾ [طه 22] تشير بوضوح إلى أن لون بشرت نبي الله موسي الأصلي كان أسمرا و بالتالي يعكس لون بشرة بني إسرائيل الاسمر و هذا يؤكد ان مكانهم في القارة السمراء و ليس في قارة آسيا وهو ما يتناقض مع الصورة النمطية الشائعة بان بنو إسرائيل لونهم ابيض وان اصلهم من فلسطين.
من هذا المنطلق يمكن فهم الدعم المستميت الذي تقدمه إسرائيل وبعض حلفائها لفصائل الجنجويد ( بني اسرائيل) الذين يطلق عليهم عرب الشتات نسبة لتشتتهم بعد وفاة سيدنا موسى عليه السلام و انه لن يكون لهم وطن بعده.
لذا تجدهم مشتتين في عدة دول مثل تشاد النيجر إثيوبيا وإفريقيا الوسطى. فإقامة وطن لهم في السودان قد ينظر إليه كخطوة نحو تحقيق نبوءة (أرض الميعاد) الأرض المقدسة التي طُردوا منها قديما بسبب أفعالهم.
وهنا تبرز فرضية أكثر جرأة أن الجنجويد أنفسهم يمثلون امتدادا لبني إسرائيل سواء من حيث الأصول التاريخية أو من خلال الدور الذي يراد لهم أن يلعبوه في إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والسياسية للمنطقة.
إن استقراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يرسم ملامح مستقبل هذا الصراع. الآية الكريمة ﴿فَإِذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ جِئنا بِكُم لَفيفًا﴾ [الإسراء 104] قد تشير إلى تجمع هؤلاء المشتتين من مختلف الدول لخوض معركة فاصلة. كما أن الآية ﴿وَلِيَدخُلُوا المَسجِدَ كَما دَخَلوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّروا ما عَلَوا تَتبيرًا﴾ الإسراء 7 تبشر بنهاية حتمية لهم على هذه الأرض المباركة وتلمح إلى أن المسجد الأقصى الحقيقي يقع في السودان أرض الأنبياء. كما في قوله تعالي﴿ ۞ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فإذا كان المقصود بالمشرق مكة فاين يقصد بالمغرب علما بأن فلسطين تقع شمال مكة وليس غربها والقرآن دقيق في الوصف.
أما المعركة الأخيرة فتأتي بعد أن يهاجر القلة الناجية منهم إلى أصفهان في إيران ليعودوا في المرة الثالثة والأخيرة بقيادة المسيح الدجال. وهنا يأتي دور حديث النبي صلى الله عليه وسلم (يا مسلم ورائي يهودي تعال فاقتله) والذي يحمل إعجازاً علمياً بقوله (يهودي) وليس (إسرائيلي) لأنه في ذلك الزمان سيكونون خليطاً بين عرق بني إسرائيل الأصليين والمنتسبين إلى ديانتهم من أعراق أخرى.
وما خفي أعظم.. الان الصورة بدأت تتضح وكشفت عن عمق الصراع الذي يتجاوز السياسة ليصل إلى جذور التاريخ والعقيدة.




